أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

182

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

النبي صلّى اللّه عليه وسلّم مرسل للإنس والجنّ ، وهذا هو الحق ، أعني أن الجن لم يرسل منهم إلا بواسطة رسالة الإنس ، كما جاء في الحديث عن الجن الذين لما سمعوا القرآن ولّوا إلى قومهم ، ولكن لا يحتاج إلى تقدير مضاف ، وإن قلنا : إنّ رسل الجنّ من الإنس للمعنى الذي ذكرته ، وهو أنه يطلق عليهم رسل مجازا ، لكونهم رسلا بواسطة رسالة الإنس . وقد زعم قوم أن اللّه أرسل للجنّ رسولا منهم يسمّى يوسف . قوله : ذلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ . فيه ثلاثة أوجه : أحدها : أنه مبتدأ ، محذوف الخبر ، أي : ذلك الأمر . الثاني : عكسه ، أي : الأمر ذلك . الثالث : أنه منصوب ، بإضمار فعل ، أي : فلنا ذلك . وإنما يظهر المعنى إذا عرف المشار إليه ، وهو يحتمل أن يكون إتيان الرّسل قاصّين الآيات ، ومنذرين بالحشر والجزاء ، وأن يكون ذلك الذي قصصنا من أمر الرّسل ، وأمر من كذّب ، ويحتمل أن تكون الإشارة إلى السؤال المفهوم من قوله : أَ لَمْ يَأْتِكُمْ . وقوله : أَنْ لَمْ يَكُنْ فيجوز فيه وجهان : أحدهما : أنه على حذف لام العلة ، أي : ذلك الأمر الذي قصصنا ، أو ذلك الإتيان ، أو ذلك السؤال لأجل أن لم يكن ، فلما حذفت اللام احتمل موضعها الجر والنصب ، كما عرف غير مرة . والثاني : أن يكون بدلا من « ذلِكَ » . قال الزمخشري : ولك أن تجعله بدلا من « ذلِكَ » ، كقوله : وَقَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ « 1 » انتهى . « فيجوز أن يكون في محل رفع أو نصب على ما تقدم في « ذلِكَ » ، إلّا أنّ الزمخشريّ القائل بالبدلية لم يذكر في محل « ذلِكَ » إلّا الرفع على خبر مبتدأ مضمر . و « أَنْ » يجوز أن تكون الناصبة للمضارع ، وأن تكون المخففة واسمها ضمير الشأن ، و « لَمْ يَكُنْ » في محل رفع خبرها ، وهي نظير قوله : أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا « 2 » ، وقول الشاعر : 2071 - في فتنة كسيوف الهند قد علموا * أن هالك كلّ من يحفى وينتعل « 3 » قوله : « بِظُلْمٍ » يجوز فيه وجهان : أظهرهما : أنه متعلق بمحذوف على أنه حال من « رَبُّكَ » أو من الضمير في « مُهْلِكَ » ، أي : لم يكن مهلك القرى ملتبسا بظلم ، ويجوز أن يكون حالا من « الْقُرى » ، أي : ملتبسة بذنوبها ، والمعنيان منقولان في التفسير . والثاني : أنه يتعلق ب « مُهْلِكَ » ، على أنه مفعول ، وهو بعيد ، وقد ذكره أبو البقاء . وقوله : « وَأَهْلُها غافِلُونَ » جملة حالية . وقوله : وَلِكُلٍّ .

--> ( 1 ) سورة الحجر ، آية ( 66 ) . ( 2 ) سورة طه ، آية ( 89 ) . ( 3 ) تقدم .